الحروب لا تدمّر الدبابات فقط - هي أولاً ومن قبل كل شيء تقتل حلم البشرية، وتدمر طموح أجيالٍ بأكملها" – عبارة قوية لمن يعقل أن الحرب ليست نزهة، لاسيما في مأساة حروب العالم العربي، فنحن أبناء هذه الجغرافيا وأنهار دمائها التي تسقي أجيالنا عقوداً بالدم، لم نُخلق على أطراف الحكاية، بل في قلبها. نتوارث الألم كتاريخنا وثقافتنا وذاكرة حياتنا، فعندما نسمع ما يحدث، نشعر بكل تفصيلة فيه.. عشنا ذات الويلات، وعرفنا كيف يبدو انتظار المصير، وكيف تبدو الإبادة حين تصبح حدثا يوميا؛ ما بين حديث الصباح والمساء (المقابر على عجل)، والعالم يصبح أصمَّ حين تصرخ من الظلم والألم، فدم السودان يقرع أبواب غزة، ودم غزة يرفرف فوق سماء الخرطوم.. كأن الشهداء في بلادنا يعرفون بعضهم، ويتصافحون عند أبواب السماء!
أولاً: في غزة
بعد أكثر من عامين من الحرب المستمرة، تُظهر التقديرات الرسمية أن أكثر من 47,700 قتيل سقطوا بحسب وزارة الصحة هناك، وأكثر من 110,000 جريح بينهم آلاف يعانون إصابات دائمة، كذلك، نحو 1.9 مليون فلسطيني - أي نحو %90 من سكان غزة قبل الحرب - أصبحوا نازحين، بلا مأوى أو سكن آمن. وحوالي 92% من المساكن في غزة دُمّرت أو تضررت بشكل كبير لنري في المرآة السودانية قصة تُحاكي غزة ففي دارفور، تحديداً شمال دارفور ومنطقة الفاشر - تحولت الحرب إلى كارثة إنسانية ونزوح جماعي واسع فقد فر منذ سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، حوالي 89,000 شخص منها، وأكثر من مليون وسبعمائة ألف نازح داخلي من شمال دارفور وحدها، ما يجعل من النزوح الداخلي ظاهرة ضخمة وفوضوية
غزة والفاشر
ثانياً: كلا الحالتين - غزة ودارفور/الفاشر - تشهدان "اغتيال إنساني": أطفال بلا مدارس، أسر بلا بيوت، مدن بلا حياة، ومستقبل يُدفن تحت الركام أو يُهجر إلى المجهول.
ثالثاً: الاختلاف يُكمن في طبيعة الصراع، الأطراف، وتداعيات الحرب، ففي غزة الحرب تأتي من عدوان خارجي - احتلال مزمن يفاقمه قصف عشوائي وتدمير ممنهج للبنية التحتية. أما في دارفور/الفاشر فالصراع داخلي - بين مكونات سودانية: جيش، ميليشيا، قبائل - بمعنى أن الدم العربي يُراق على يد عربي، ما يضيف مرارة خاصة: إنسان يقتل أخاه أو جاره.
رابعًا: الأطراف المتورطة: في غزة الطرف المعتدي هو قوات الصهاينة المغتصبين مدعومة بتحالفات دولية. أما في السودان، الطرفان الجيش و"الدعم السريع" هما من أبناء الوطن، يدعم قوات الدعم جهات خارجية وعوامل داخلية بصيغ مختلفة، لكن النتيجة واحدة: تفتت الوطن على أيدي أبنائه.
خامساً: التدمير المادي للمدن والبنية التحتية: في غزة - مئات الآلاف من المساكن دُمّرت، مدارس ومستشفيات وهياكل خدمية - حسب تقديرات، الخسائر في البنية التحتية تتجاوز 70 مليار دولار بحسب تقارير إعلامية، أما في السودان، رغم قلة المصادر التي تعطي رقمًا إجماليًا موازياً، لكن حجم النزوح الداخلي، تعطّل الزراعة، انهيار الأمن الغذائي، وسحب السكان من أراضيهم - كلها مؤشرات على "كارثة اجتماعية واقتصادية" قد تتجاوز بكثير قدرة العدّ أو التوثيق في ظل الحرب.
إلا أن فارقًا مهمًّا: في غزة هناك بعد دولي واسع، اهتمام إعلامي ومؤسساتي كبير، نزوح إلى داخل المخيمات أو خارج القطاع، مع ضغط دولي لإعادة بناء - أما في دارفور فالصراع غالبًا يُترك ليُدار داخليًّا، والتوثيق أصعب، والمأساة مغلفة بنقص في الاهتمام العالمي مقارنة بغزة.
ما يحدث في غزة
وللخماسية السابقة تبعات عربية وإقليمية في اقتصادٌ منهار، أسواقٌ معطلة، وآمال ضائعة، حيثُ لا تقتصر هذه الحروب على الشأن المحلي فقط فما يحدث في غزة والسودان ليس مأساة محليّة فحسب، بل ضربة لعصب التنمية والاستقرار في العالم العربي ككل:
- أسواق الغذاء والسلع - في حالة السودان، تعطّل الزراعة يؤدي إلى نقص حاد في المحاصيل، ما يرفع أسعار الغذاء على مستوى الإقليم العربي، ويهدد الأمن الغذائي.
- الاستثمارات العربية - في السودان، كثير من المشاريع توقفت أو انكفأت؛ المستثمرون العرب خاصة السعوديون أعادوا حساباتهم؛ ما يعني خسارة مشتركة في الفرص التنموية.
- تزايد الفقر والبطالة - في غزة قُدِّر أن أكثر من ثلث سكانها أصبحوا في فقر مدقع بعد الحرب مع انهيار شبه كامل لسوق العمل والبنية الاقتصادية
- وعلى صعيد الاقتصاد الإقليمي - تكاليف إعادة الإعمار الضخمة، هجرة العقول، تردي الإنتاج الزراعي، وتعطّل سلاسل التوريد - كل هذه تخلّف فجوة تنموية لن تُسد بسهولة.
أما الأبعاد السياسية والإنسانية – فالسؤال من يستغل الصراع؟؟. فهذا الدمار لا يحدث من فراغ، ففي حالة غزة، الحرب قائمة ضمن صراع طويل الأمد مع الاحتلال - وتحالفات دولية، مصالح جيوسياسية، صراعات على النفوذ - كل ذلك يجعله حربًا معدّة وممنهجة. أما في حالة السودان فالصراع الداخلي يُغذّيه فساد، طموحات سلطوية، جشع على موارد أرض، معدن، نفوذ، وربما تدخلات خارجية تُضيف وقود النزاع، سواء بالتهريب أو التسلّط على الموارد الطبيعية - ترى في الحرب مجزرة ربح: ذهب دارفور يُنهَب، أراضٍ تُباع أو تُسيطر عليها ميليشيات، سكان يُهجَّرون، ثم يُرغمون على قبول "حلول" مجتزأة تُكرّس واقع الهيمنة، كل ذلك وصمت أو تواطؤ دولي موجود، لتتحول مأساة إنسانية إلى لعبة مصالح: الإنسان يُضحَّى، الأرض تُنهب، والضمير العربي - أحيانًا - يُهمش.
عبر من التاريخ: تجارب مشابهة في فلسطين، اليمن، العراق، ودول أفريقيا، حيثُ لم تكن غزة أو دارفور بداية الحكاية، ففي 2003 في العراق شهدت مدن كبرى تدميراً للبنية التحتية، نزوح الملايين، انهيار اقتصاد، واستغلال موارد تحت عناوين "إعادة إعمار" انتهى كثير منها إلى سرقة ونهب.. وفي اليمن، الحرب المستمرة تسببت في انهيار اقتصادي، المجاعة، فقدان الدولة، تفتت المجتمع، وتدخلات دولية مدمّرة.. وفي دول القارة السمراء -أفريقيا- دول عديدة تعرّضت لحروب أهلية لأجل موارد: معادن، أراضٍ، نفوذ - آلاف القتلى، نزوح جماعي، انهيار دولي وسياسي.
كل هذه الدول تشترك مع غزة ودارفور في "دائرة الدمار" موارد تُنهَب - بشر يُهجَّر - مجتمعات تُشرَّد - دول تُفكَّك.. أما الفرق في أن بعض هذه الدول لم تكن محمية بغطاء إعلامي أو ضغوط دولية، فما كان إنقاذ فعلي، وإنما استنزاف مستمر، تمهيداً لواقع جديد من السيطرة والانكسار.
اغتيال إنساني في غزة
وقفة: لا أرقام بعد اليوم… إنها أرواح وأحلام ذهبت، فما يحدث في غزة ودارفور ليس "حرباً بين جيوش" فقط - إنه اغتيال إنساني على مستوى واسع. أرقام القتلى، النازحين، المنازل المدَمّرة، لا تعبّر حقًّا عن حجم الألم. هي حياة بشرية ضائعة، مستقبل أطفال مقطوع، وطن يُشرّد، وهوية تُهدم.. فقد قال تعالي "من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً" المائدة 32 - أية تُذكرنا بأن كل دم يُراق، وكل طفل يُجوع، وكل بيت يُدمّر، هو جزء من ضميرنا العربي الجامعة.
النهاية ليست في الركام - النهاية في الصمت. والخلود الحقيقي للجريمة ليس في الخراب، بل في نسيان الضحايا. فلنحذر من أن يكون الصمت شاهدنا الصامت.
|
البند / المقياس |
غزة |
دارفور – الفاشر سودان |
|
عدد القتلى / الضحايا |
بحسب تقرير حديث: نحو 67,160 شهيدًا منذ بداية الحرب. |
لا توجد إحصائية موثوقة ومتفق عليها تشمل كل السودان، لكن النزاع وتوسع السيطرة تسبب في موجات نزوح ضخمة - دليل على كارثة بشرية كبيرة |
|
عدد النازحين / المهجّرين داخليًا أو خارجياً |
أكثر من 750,000 فلسطيني فرّوا من مدينة غزة إلى جنوب القطاع أو مناطق أكثر أمانًا |
من مدينة الفاشر ومخيم زمزم نزح ≈ 781,998 شخصًا منذ اندلاع الحرب حتى يونيو 2025 بعض التقارير تشير إلى أن عدد نازحي محلية الفاشر وصل إلى ≈ 1,014,748 شخصًا من الفاشر ومحيطها |
|
وضع الأطفال حصّة الفئات الهشة |
عدد كبير من الضحايا هم أطفال من ضمن القتلى والإصابات، والبنية التحتية المتهدّمة تؤثر على التعليم والصحة والغذاء. انعدام الأمن الغذائي واسع |
حسب منظمة يونيسيف: نحو 825,000 طفل محاصرون بالمعارك حول دارفور الفاشر وما حولها الأوضاع الإنسانية - نقص الغذاء، دواء، مأوى - تهدّد حياة الأطفال بشكل خاص |
|
دمار البنية التحتية وبيوت/مساكن |
تقديرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من المساكن والبنية المدنية - من مدارس ومستشفيات - دُمّرت أو تضررت بشدة. |
المعارك في الفاشر ومحيطها، والسيطرة على مخيمات نزوح، أدّت إلى نزوح جماعي واسع: ما يعني تدمير المنازل أو هجرها، أو التجمّع في مخيمات أقل أمانًا. |
|
انعدام الأمن الغذائي / أزمة إنسانية واسعة |
وفق بيانات رسمية، عدد كبير من سكان غزة يواجهون مستويات متقدمة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحصار والتدمير. |
المجاعة، نقص الغذاء، انقطاع المساعدات، صعوبة وصول الإغاثة إلى المناطق المحاصَرة - كل ذلك في دارفور، حسب تقارير منظمات دولية |
|
أعداد النازحين من مخيمات مخيّم زمزم كمثال |
- |
من مخيم نا - تم نزوح ≈ 498,955 نازحًا من مخيم زمزم خلال الفترة المشمولة بتقرير المنظمة. |
|
نسبة السكان المتأثرين مباشرًا بالصراع قتل، تهجير، تدمير |
نسبة ضخمة من سكان غزة - سواء النازحين أو المتضررين - خصوصًا في المناطق الأكثر قصفًا أو تدميرًا. |
من محلية الفاشر فقط نزح أكثر من مليون شخص تقريبًا - ما يشير إلى أن نسبة كبيرة من السكان تشردت أو فقدت مأواها |









